مقال : كنزنـــا فينــا

 مقال : كنزنـــا فينــا

 

إن الرسالة الأثمن التي يجب علينا أن نتوجه بها إلى أنفسنا، كذلك إلى الآخرين ممن يجب علينا نصحهم ومناصحتهم، تتجلى في الفكرة الآتية: فلنحيا حياتنا ما استطعنا، ولنملك كنزنا لكن دون أن يملكنا في النهاية، وليكن رأس مالنا فيه مما يمكث في الأرض من خير ومحبة.

بقلم : خلود العميان

قرأت في كتاب "مميز بالأصفر"- للكاتب إتش، جاكسون بروان-قصة استوقفتني واستحقت مني الكثير من الاهتمام، إذ يحكى أن رجلا كان يمتلك قدرا كبيرا من الذهب، فعمد إلى دفنه في الأرض، ثم صار يتردد إلى موقعه كل يوم، ليلقي نظرة عليه ويحصيه قطعة قطعة. وذات يوم راقبه لص لاحظ أنه يخفي سرا ما في ذهابه إلى ذلك المكان يوميا.وما أن عرف بأمر الكنز حتى حفر عنه وأخرجه ثم لاذ بالفرار.حزن الرجل كثيرا عندما اكتشف خسارته، وراح يئن ويصرخ، فرآه أحد جيرانه، وقال له: "لاتحزن، ادفن بعض الحجارة وتخيل أنها ذهب، لأنك لم تكن تنفق منه شيئا عندما كان موجودا".

نفهم من هذه القصة، أن ذلك الرجل كان بخيلا ويحب ماله حبا جما، إلى الحد الذي جعله أشبه بالحارس عليه لا المالك له فقط. لكن القصة أوحت لي بشيء آخر مختلف، وسارت بفكري إلى مكان بعيد عن المعنى المقصود منها، حيث المعنى الأثمن للكنز ومكانه الحقيقي الذي ينبغي لنا أن نتلمسه فيه، وهو في دواخلنا وذواتنا؛ منح بفعل الخير، وأخلاق حميدة، وتجارب عظيمة، وعلم مفيد، ومساعدة غيرنا، ووصلنا الرحم وغير ذلك...نعم، كنوزنا فينا، ولا نحتاج أن نخفيها عن الآخرين، أو أن نخشى عليها من السرقة؛ فهي في الأصل مبنية على فكرة العطاء، ومشاركتهم بها أمر ضروري لتنميتها، بل هي رصيد إنساني آخر الأمر لا يكون إلا بالمشاركة والتفاعل مع الآخرين، والتأثر بهم والتأثير فيهم. فإذالم نعززها دائما بمثل هذه القيم، فإنها تنتهي لتصير بلا قيمة تذكر وبلا أثر معلوم، كتلك الحجارة تماما.

ولأن الشيء بالشيء يذكر، خطر لي مقطع شعري لشاعر روسي اسمه فلاديمير ماياكوفسكي، بدأ به إحدى قصائده بقوله: "اصرف ولو روبلا من نقود الوجدانية". فهو يؤكد على الحقيقة ذاتها التي أشرنا إليها سابقا، ويجعل من رصيد الوجدانية معيارا لقياس مقدار البشرية في البشر، وإحدى وسائل الخير والإحسان عند التواصل مع الآخرين. إن مثل هذه النظرة تجاه أنفسنا ونحو غيرنا- كذلك فيما يخص نظرتنا إلى الأشياء حولنا- لن تتحقق من دون تصويب اتجاهاتنا الفكرية، وموازنتها بما في الحياة من: مظهر وجوهر أو شكل ومضمون أو مادة وروح، من غير إفراط أو تفريط، لنظل قادرين على التمييز بين القشور وغيرها، وكي نكون ذوي قدرة على معرفة المواضع التي تتخفى فيها القيمة الحقيقية للحياة، وما ينبغي لنا الاحتفاظ به منها وما ينبغي لنا التخلص منه في أسرع وقت.

وحيث إنني لا أدعي الحكمة والمعرفة؛ فأنا لست خبيرة أو عالمة بأحوال الناس والدنيا، بل أشعر أنني حديثة العهد بكل شيء حولي كلما اختبرت أمرا جديدا في حياتي. غير أني أحس بحكمة الأجداد والعلماء والحكماء وبتلك البصيرة النافذة لديهم، كلما قرأت في أحد الكتب التي تروي تجارب الآخرين وانطباعاتهم، وكلما استمعت أكثر إلى هموم الناس حولي، وكلما نظرت ورائي إلى ما مضى من أيام، لأجد أنني زرعت فيها أكثر مما حصدت، وأعطيت أكثر مما أخذت، فأشعر أنني امتلكت شيئا فريدا من هذا كله، إنه "الرضا" تلك الكلمة الكنز، والتي تشعر معها أنك عشت كامل أيامك الماضية بكل لحظة منها وبكل شيء فيها.

أرى أن الرسالة الأثمن التي يجب علينا أن نتوجه بها إلى أنفسنا، كذلك إلى الآخرين ممن يجب علينا نصحهم ومناصحتهم، تتجلى في الفكرة الآتية: فلنحيا حياتنا ما استطعنا، ولنملك كنزنا لكن دون أن يملكنا في النهاية، وليكن رأس مالنا فيه مما يمكث في الأرض من خير ومحبة.

Top