(مقال) الأفكار الخيرية وكيفية التعامل معها

عندما تمعن النظر بصدق، وتتأمل مخلِصاً في دواعي وأسباب النهضة الإنسانية والتكنولوجية، والتقدم الكبير في القطاع التقني وفي العديد من القطاعات الموازية التي وصلت إليها الكثير من دول العالم، بما فيها أوطاننا، ستتأكد أنها كانت وليدة البساطة، عبر أفكار عابرة تارة، وتارة عبر أفكار أخرى معقدة جداً بشكل لم يكن من الممكن تصوره أو اعتقاده، فكانت هذه الأفكار ذات يوم أقرب للوهم والخيال، وخارج النطاقات التي يألفها العقل، وكان أمر اللجوء إلى تطبيقها والأخذ بها، بالحسابات التقليدية والقديمة، عملية معقدة، وطريقا طويل المدى، استهلك أجيالا إنسانية متعاقبة، وكثيرا من الأدوات التي ساهمت  في تقديم هذا الوجه المشرق من وجوه التقدم الإنساني على وجه الأرض.

واستطاعت هذه الأفكار المتواصلة، في حلتها الأكثر تقدماً ورقياً، العمل على تجاوز مسألة الوقت، التي كانت تستهلك أجيالاً متعاقبة من أجل تطبيق فكرة أو نظرية واحدة، ففرضت بهذه الأدوات المعاصرة آليات التنفيذ الذي يصب في المصلحة الإنسانية مباشرة، بالسرعة القياسية، والأداء النموذجي المحكم والسليم، ولذلك يمكننا أن ندعي بأن التقدم الإنساني المعاصر هو نتاج طبيعي لتوالد الأفكار، والعمل الجاد على تطبيقها من كل الجهات التي تستطيع العمل على ذلك.

ومن الأفكار التي لا تتوقف، ولها العديد والعديد من الدواعي الإنسانية والأخلاقية التي ترجوها، هي الأفكار والمقترحات الخيرية المتنوعة والمتعددة، التي تهدف غالباً إلى صالح الناس، لا سيما الفقراء والمهمشين منهم، أو إلى الارتقاء بطرق وأسباب دعم المنظومة الخيرية عموماَ بطرق سليمة ومشروعة، فأصل مشروعية كل فكرة هي الخير والمنفعة التي ستعود على الإنسان جراء تطبيقها والعمل عليها، ومواجهة كل مشكلة ودرء كل مضرة هي الغاية، فما بالنا وأن الفكرة نشأت خيرية من الأساس والضمير الواعي الذي نبتت منه، خيرية من أجل تقديم فكرة تنفع فئة فقيرة أو مهمشة، أو فئة مريضة أو معطلة، أو أي فئات المجتمعات التي تطالها الحاجة، ويكتنفها البؤس والعوز، تحت أي بند من البنود اللاإنسانية التي تلقي بها تحت هذه الطائلة، ليأتي العون والدعم الفكري كبداية مبشرة من قلوب صادقة برؤية للمساعدة أو لإزالة العوائق كلما كانت موجودة عن طريق الفكرة الخيرية، أو المقترح الوقائي أو العلاجي، حيثما كانت الحالة تتطلب ذلك، أو تأتي ببرامج كاملة طويلة أو قصيرة المدى لتقدم عروضاً وأفكارا ووجهات نظر ونظريات من شأن تطبيقها ودعمها، والأخذ بها ومناقشتها؛ إزالة الأسباب والمعاناة التي تحياها  الفئات الأكثر حاجة وفقراً وغيرها، والوصول بالمجتمعات إلى ما يصبو إليه أبناؤها من نهضة ورقي.

 

الأفكار الخيرية تعني المسؤولية والوعي الاجتماعي:

الأفكار الخيرية تتبعها في ذلك المقترحات ووجهات النظر التي تبررها الدواعي الإنسانية المتراجعة في وقت ما، ولأسباب ما، أو في إطار العمل الخيري الاحترازي الوقائي، وكذلك البرامج الإنسانية والنظريات التي يرتجى لها التطبيق، الموضوعة من قبل المهتمين، إنما هي تعبير جلي بأننا أمام مجتمعات صادقة وواعية اجتماعياً وأخلاقياً وإنسانياً، ومتضامنة ومتراصة، وأن لها حظاً قريباً مع النهوض والرقي إن كانت في حقبة ضعف وتراجع، بما يكمن في ضمائر أبنائها من أنواع الخير، ومن الرؤى الاجتماعية الواسعة، وهي ـ أيضاً ـ دليل على الإحساس الفردي أو الجماعي لصاحب الفكرة بالمسؤولية الاجتماعية، وهي دليل مباشر على أن صاحب الفكر الخيري من أقرب الناس لتقديم المساعدات وبذل الجهد والوقت والمال من أجل إعلاء الشأن الإنساني، ودعم منظومات العمل الخيري، وهي عنوان تواصل المؤسسات والجمعيات الحكومية والأهلية والخيرية مع المواطنين والداعمين والباحثين والمفكرين، وهي الهمزة الواصلة بين المجتمع وأبنائه، وتعبير عن قدرته الدائمة على العودة السريعة وسط المشكلات. وفي المقابل، فإن ضعف وقلة الأفكار الخيرية إنما هو انعكاس مباشر للإحباط الاجتماعي واليأس، ويعتبر قرينة لا تقبل النفي بأن هذه المجتمعات، التي لا يوجد لدى أبنائها العديد من الأفكار الخيرية والاجتماعية التي ترمي لخدمة فئات المجتمع الأكثر ضعفاً والأكثر فقراً وحاجة، إنما هي مجتمعات واهية، هي أدعى للانهيار القريب، كما أنها قد تكون مجتمعات متسلطة وغير مدركة بمخاطر ما يجول برؤوس فريق من أبنائها ممن لا يفكرون من أجل نهضتها، فإنهم إذن يفكرون من أجل شيء آخر قد لا يكون طيباً.

وكحاجة الأفكار التي أحدثت كل هذا التقدم التقني والتكنولوجي للتطبيق والعمل، فإن هناك حاجة للتحمس لمثل هذه الأفكار والمقترحات الخيرية والإنسانية في كافة أنشطتها ومجالاتها، وتبنيها، والعمل على تطبيقها ودعمها وتطويرها، فالأفكار والمقترحات التي يرمي أصحابها من ورائها تقديم النفع الاجتماعي بكل خيريته ستظل بحاجة ماسة لأن تجد من يتحمس لها، ويتبناها، ويرعاها بضوابط وشروط ومعايير معينة، وإلا ستظل هذه الأفكار هواجس تجول بالرؤوس عل الدوام ما دامت لم تتطور، وما دامت غير قادرة على أن تجد من يوليها الاهتمام  ليخرجها من بساطتها إلى شكلها الطبيعي، كبرامج من شأنها تقديم الدعم والعون والمساعدة للفئات المستهدفة، والتي قد يرهق الحكومات العمل الشاق من أجلهم، ويكلفها ـ أيضاً ـ ذلك السعي والعمل الكثير من الأموال والجهود والأوقات.

 

الأفكار الخيرية والمجتمعات المسلمة

الدعوى الخيرية، بفكرها وعلومها وأدواتها، هي من تعاليم ومن تشريعات الإسلام. ورسالة الإصلاح الشاملة، بما فيها من التأمل والتفكير والاستنفار من أجل كل خير يشمل الإنسانية، أمر مأمور به كل مسلم في مشارق الأرض ومغاربها؛ لقوله تعالى: (وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ). [آل عمران:104].

والدعوى الخيرية ليست عملاً بديهياً، إنما هي أدعى للتفكير والتأمل واستخراج أفضل الحلل والأفكار المنطقية والعقلية التي يرجحها الضمير السليم والفطرة النقية، ويستطيع المرء من خلالها أن يصل بمجتمعه إلى الصورة التي يحلم بها ويتمناها، وروي عن النبي المصطفى ـ صلى الله عليه وسلم ـ أنه دعا للتفكير والاجتهاد، فقال: "من اجتهد فأصاب فله أجران، ومن اجتهد فأخطأ فله أجر الاجتهاد".

والأفكار من أجل النهضة الإنسانية كانت من طبائع المفكرين والإصلاحيين  وكبار الأئمة عبر التاريخ الإسلامي، فكان الإمام علي بن أبي طالب ـ رضي الله عنه ـ عدواً للفقر الذي يقهر الرجال ويذل الرؤوس، فقال ـ رضي الله عنه ـ: "والله لو كان الفقر رجلاً لقتلته". ومكافحة الفقر في المنهج الإسلامي لم تكن كلمات وعبارات عابرة، بل كانت بداية الطريق والعمل برؤية النبي الكريم ـ صلى الله عليه وسلم ـ وفكره الرباني؛ فهو خير من فكّر، وخير من أحسن التفكير من أجل أمته، فقد روي عن أنس بن مالك ـ رضي الله عنه ـ أن رجلا من الأنصار أتى النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ يسأله فقال: "أما في بيتك شيء"؟ قال: بلى، حلس نلبس بعضه ونبسط بعضه، وقعب نشرب فيه من الماء. قال: "ائتني بهما". قال: فأتاه بهما، فأخذهما رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ بيده، وقال: "من يشتري هذين"؟ قال رجل: أنا آخذهما بدرهم. قال: "من يزيد على درهم، مرتين أو ثلاثا". قال رجل: أنا آخذهما بدرهمين. فأعطاهما إياه، وأخذ الدرهمين وأعطاهما الأنصاري، وقال اشتر بأحدهما طعاما فانبذه إلى أهلك، واشتر بالآخر قدوما فأتني به. فأتاه به، فشد فيه رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم - عودا بيده، ثم قال له: اذهب فاحتطب، وبع، ولا أرينك خمسة عشر يوما. فذهب الرجل يحتطب ويبيع، فجاء وقد أصاب عشرة دراهم، فاشترى ببعضها ثوبا وببعضها طعاما. فقال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ: "هذا خير لك من أن تجيء المسألة نكتة في وجهك يوم القيامة. إن المسألة لا تصلح إلا لثلاثة: لذي فقر مدقع، أو لذي غرم مفظع، أو لذي دم موجع". فلولا أن فكّر النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ لهذا الرجل، ولولا أنه هداه الطريق نحو قوته؛ لظل ذلك الرجل يسأل الناس، ويذل لهذا وذاك.

 

آليات التعامل مع الأفكار الخيرية

الأفكار الخيرية الحيوية والمتجددة هي الظاهرة الصحية والطبيعية للتعبير عن المجتمعات المتزنة، فهذه الأفكار بداية الطريق نحو نهضة إنسانية واجتماعية وخيرية شاملة للمجتمعات التي لديها الرغبات الصادقة في ذلك. ويحتاج أمر التعامل مع الأفكار والمقترحات الخيرية الكثير من المرونة والدفع، وإعطاء الثقة لكل من لديه مقترح بأن يتقدم به. وأمر النهوض بالأفكار والمقترحات الخيرية يقع ـ في ظل التخصص وتوزيع المسؤوليات ـ على عاتق الحكومات والجمعيات والمؤسسات الخيرية على السواء؛ فهي من بيدها التشجيع على ذلك.

وهذه بعض الإرشادات البسيطة التي نقترحها من أجل ذلك:

·     إنشاء هيئات عامة مختصة لتلقي الأفكار والمقترحات الخيرية، والعمل على تعميم ما يليق للتطبيق منها، ويكون من اختصاصات هذه الهيئات إقامة الندوات واللقاءات والفعاليات التي تحرض العقل المسلم على التأمل واستكشاف الخلل والتراجع في مجتمعه، والإبداع الفكري والميداني من أجله، ووجوب تدشين الخطوط الساخنة على مدار الوقت؛ لتستمر في جاهزية وفاعلية على الدوام.

·     وجوب التنويه في أكثر من مكان من قِبَل الجمعيات الخيرية بأنها تتلقى كافة الأفكار والمقترحات التي تساهم في خدمة المنظومة الخيرية، وأنها تتبنى ما يوافق سياساتها وإمكانياتها.

·     التعامل مع كل الأفكار تعاملاً جاداً، حتى لو كانت أفكاراً بسيطة، وعدم التقليل من شأن مقترحيها، أو عرض وجهات النظر المخالفة لها، أو أسباب إرجائها وعدم الأخذ بها إن كانت هناك أسباب هي التي تدعو لذلك، أو تقديم الوعد المناسب بأنها ستؤخذ بشكل جاد، وأنها قيد العمل بها، وتطبيقها في القريب العاجل.

·     ضرورة تقديم هذه الأفكار للمختصين والخبراء لقراءتها بأعينهم الخبيرة قراءة واعية، وتوثيقها، وحفظها من أجل المستقبل، والأخذ بها أو العمل على تطويرها كلما كان ذلك ممكناً.

والله من وراء القصد؛؛

المصدر: موقع مداد

Top